الشنقيطي
363
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أما إفراده بالعبادة ، فقد كتب الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه ، على ذلك مبحثا كاملا في سورة الحجرات في مسألة من المسائل على قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [ الحجرات : 2 ] . وبين في هذه المسألة ما هو حق للّه وما هو حق لرسول اللّه ، ووجوب إفراد اللّه تعالى بما هو حقه تعالى ، وبين فيها آداب السلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأن وضع اليد على اليد كهيأة الصلاة نوع من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلا للّه تعالى اه . وأن الجمع هنا بين المفهوم والمنطوق بنفس المفهوم ، لما يدل على شدة الاهتمام به والعناية بأمره ، وإنه ليلفت النظر إلى ما جاء في الأحاديث الصحيحة من النهي الأكيد والوعيد الشديد بالنسبة لقضية المساجد ودعوة التوحيد ، وما كان يفعله الأولون من بناء المساجد على القبور ، ويفتحون بذلك بابا مطلا على الشرك . كحديث أم سلمة وأم حبيبة رضي اللّه عنهما عند البخاري ومسلم في قصتيهما على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما شاهدتاه بالحبشة من هذا القبيل ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا أولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة » « 1 » . وكحديث الصحيحين : « لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » ، قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره أي خشية اتخاذه مسجدا » « 2 » . حديث الموطأ قوله صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » « 3 » فكل ذلك مما يشدد الحذر من الجمع بين القبور والمساجد خشية الفتنة وسدا للذريعة ، ويشهد لهذا ما ذكره علماء التفسير رحمهم اللّه من سبب النزول ، أن اليهود والنصارى كانوا إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم ، أشركوا مع اللّه غيره ، فحذر اللّه المسلمين أن يفعلوا ذلك . وهذه المسألة مما تفشت في كثير من البلدان الإسلامية مما يستوجب التنبه لها ،
--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في الصلاة حديث 427 ، ومناقب الأنصار حديث 3873 ، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث 16 و 17 و 18 . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) أخرجه : مالك في قصر الصلاة في السفر حديث 85 ، وأحمد في المسند 2 / 246 .